المثقفون التونسيون و الحضارة الغربيّة في ما بين الحربين العالميتين

الكاتب : الطاهر المناعي

دار المعارف سوسة

الكتابُ في الأصل أطروحة تعمّق في البحث ناقشها صاحبها في 1991 بكلّية الآداب بمنّوبة .

و لقد اختار أن يقسّمه إلى مقدّمة وأربعة أبواب ، وأن يذيّله بملاحق و قائمة مصادر ومراجع .

يؤطّر الكاتب بحثه في سياق تاريخي " يشهد احتداد الصراعات الفكريّة بين الشرق و الغرب نتيجة تباين المصالح السياسيّة والاقتصاديّة بين العالمين " ( ص 7 ) و يشهد نموّ الفكر القومي و الإسلاميّ نموّا يساهم في خلق أشكال جديدة من الوعي و التفاعل .

ويقصّر الكاتب دراسته على تونس لأسباب مختلفة علميّة وتاريخيّة و رغبة في استجلاء معالم " الفكر التونسي " في ما بين الحربين بعيدا عن التعميم و الأحكام المسبقة .

في الباب الأوّل بحث الكاتب في مصادر الحضارة الغربيّة . وهي التمثيل الرسمي الذي تطوّر بداية من منتصف القرن التاسع عشر بموجب عوامل مختلفة أهمّها العامل السياسي . و لعلّ الملفت أنّ المهاجرين الأوروبيين  الأوائل حاولوا تعلّم العربيّة بينما سعى المتأخّرون إلى الانزواء و العزلة وفرض عاداتهم .

من مصادر الحضارة الأوروبية أيضا المدارس و المعاهد التي انتشرت بسرعة خاصّة في تونس العاصمة  واستقطبت التونسيين وأثّرت على اللغة العربيّة .

ثمّ  يهتمّ الكاتب بالعلاقات الرسمية مصدرا من مصادر الحضارة الأوروبية ، و بالصحافة المطبوعة في تونس أو التي كانت ترد عليها . وهو المصدر الذي اعتبره " أخطر قنوات الاتصال و التأثير " (ص 50 ) . و في الفصل الخامس من هذا الباب اعتنى الكاتب بالرحلات و الأسفار نحو أوروبا قبل الحرب الأولى و بعدها . و هي من المصادر التي أيقظت التونسيين على البون الشاسع بين الشرق والغرب .

في الباب الثاني درس الكاتب العوامل الدّاخليّة وأثرها في بلورة التفكير التونسي الحديث . هذه العوامل هي : العامل السياسي الذي تجلّى في المدّ الاستعماريّ و قمع الانتفاضات

العامل الاقتصادي : لقد كان للتناقضات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة بسبب هيمنة الرأسمال الفرنسي وما صاحبه من استغلال .. أثره في بلورة الوعي الوطني المقاوم

واهتمّ الكاتب بالعامل الاجتماعيّ ( المقاومة ، الانتفاضات .. ) و الثقافي ( حركة الترجمة ، الجمعيات .. ) و هي عوامل تضافرت كلّها لتؤدّي إلى تصادم الثقافتين و احتداد الصراع المجدّدين ( الطاهر الحداد ، الشابي ، الكعاك .. ) و المحافظين ، و بين المعتدلين و" المتطرّفين"  في الحزب الدستوري .

في الباب الثالث اشتغل الكاتب موضوع " التفكير " وقد كان في البابين السابقين رصد العوامل الخارجيّة المؤثّرة و رصد أهمّ سمات البيئة التي نشأ فيها هذا التفكير . ورسم لهذا الباب غاية هي " تحديد مواقف المفكّرين " ( ص 95) التي أثارها انتشار الحضارة الغربيّة الغازية .

قسم الكاتب هذا الباب إلى فصول واختار أن يجمع بين المعايير التاليّة :

المعيار الزمني ( قبل الحرب ، في ظلّ الحماية .. )

المعيار الموضوعاتي ( المسألة السياسيّة ، الاقتصاديّة .. )

معيار الأعلام ( خير الدين  ، الثعالبي ، الحدّاد ، الحامّي .. )

و لقد أفضى البحث في المصادر المختلفة إلى رصد مواقف الأعلام قبل الحرب الأولى من التجربة الليبراليّة و التمدّن الأوربي وإلى أنّ ما يسم المواقف في مجملها التوفيق و الإصلاح    ( الفصل الأوّل ) .  

و في الفصل الثاني بحث عن خصائص التفكير التونسي من مسألة السياسة الاستعماريّة و قسّم الوطنيين إلى أوائل ( الثعالبي ) و متعاونيين ( حسن قلاّتي ) و شبّان ( الحدّاد ، بورقيبة )     و عرّج على موقف الشعراء ثمّ بحث مواقف النخبة التونسيّة من السياسة العالميّة ( تركيا أتاتورك ، القضيّة الفلسطينيّة ..الريف المغربي ) ولقد أفضى ذلك إلى تأكيد اتّفاق النخبة التونسيّة إزاء القضايا العالميّة ( عداء للاستعمار و الصهيونيّة .. ) و اختلافهم  في مواقفهم من القضايا الدّاخليّة بين متعاون و يائس و رافض ..

وفي الفصل الثالث اهتمّ الكاتب بالمسألة الاقتصاديّة وانقسام مواقف التونسيين بين معجب بالنموذج الاقتصادي الليبرالي و خائف من الرأسماليّة وآثارها الاجتماعيّة ولعلّ " الحدّاد من أبرز المثقّفين الذين اهتمّوا بتحليل الرأسماليّة تحليلا علميّا في كتابه العمّال التونسيون .. " ( ص 173 ) .  ومن الملفت أنّ هاجس الربا ظلّ يحيّر التونسيين محافظين و متحرّرين حتّى أواخر الثلاثينات ( ص176) ، وأنّ أهمّ محور ركّز عليه بورقيبة ـ الذي أدرك العلاقة بين السياسة   و الاقتصاد ـ في مقالاته الصحفيّة، الفلاحةُ .

و في الفصل الرابع من الباب الثالث اهتمّ الكاتب بالمسألة الاجتماعيّة والعلاقة بين القيم العربيّة الإسلامية و القيم الغربيّة  وأشار إلى حيرة المسلم إزاء ما يستجدّ من علوم ، وخصّص الكاتب فقرات لقضيّة المرأة وما أثاره كتاب الحدّاد من سجال و صراع ، و لمواقف النخبة من قضيّة التجنيس . ولفت الكاتب الانتباه إلى التحام مواقف النخبة و العامة في قضيّة التجنيس خاصّة . وفي الفصل الخامس اعتنى الكاتب بالمسألة الثقافيّة وأثبت جدولا بالآثار ( مقالات ، أقاصيص ، شعر .. ) المترجمة بتونس ما بين الحربين  مستخلصا أنّ الترجمة لم تكن عمليّة عفويّة " بل هي عمليّة مقصودة ارتبطت بحركة الإصلاح داخل البلاد وبتطلعات النخبة التونسيّة في جهدها الإنساني من أجل ثقافة عربيّة إسلاميّة أصيلة ومتفتّحة " (ص 257) .

ولقد حرص الكاتب على تأكيد أنّ النخبة التونسيّة من خلال تفكيرها ومواقفها كانت ناضجة ، التحمت بقضاياها وحرصت على صيانة قيمها و خصوصيتها .

وخصّص الفصل السادس للمسألة النقابيّة : ظروف نشأتها و روّادها ودور كلّ من الحدّاد و الحامّي خاصّة .

إنّ فترة العشرينات و الثلاثينات خصبة شهدت صراعا عنيفا ومواجهة لولاها " لكانت الحضارة الغربيّة قد أتت على الأخضر و اليابس من جذور هذه الأمّة " (ص 289)

أمّا الباب الرابع فقد عنونه الكاتب بـ " البدائل أو مشروع مجتمع عربي إسلامي " . في هذا الباب اجتهد الكاتب في رسم صورة المجتمع البديل الذي أرادت النخبة في تونس تحقيقه . وانقسم الباب إلى فصول تناظر فصول الباب الثالث : البديل السياسي ، الاقتصادي ، الاجتماعيّ ، الثقافيّ ، النقابيّ

لقد أجمعت النخبة على ضرورة بناء نظام سياسي وإن لم تحدّد نوعه ( ملكي ، جمهوري ..) والتقت في دفاعها عن الدستور و الاستقلال و البرلمان .. حتّى فكرة التعاون لم تكن سوى خيار تكتيكي ووسيلة ممهّدة للاستقلال . وأهتمّ الكاتب بموقف النخبة من مسألة الخلافة ، وبيّن أنّ الثعالبي لم يتشبّث بها نظاما في الحكم بل رمزا لوحدة المسلمين .

في الجانب الاقتصادي بدت النخبة مجمعة على ضرورة تعصير الاقتصاد و التعاون و على قيمة العمل على ما بين النخبة من اختلاف وصراع حول النماذج أو البدائل الاقتصاديّة .

وفي الجانب الاجتماعي أخذ التعليم حيّزا كبيرا من جهود النخبة و المصلحين الذي لم يختلفوا في ضرورته ، بل في محتواه .

ومن البدائل التي سجّلها الكاتب البديل الثقافي من خلال استصدار الصحف والمجلات         و الاعتناء بالتراث وربط تونس بمحيطها العربي الإسلامي و الدفاع عن خصوصية تونسيّة     ( البشروش ، السنوسي .. )

و في الفصل الخامس اعتمّ الكاتب بالبديل النقابي الذي تأثر بانتماءات النقابيين الاجتماعيّة وأحوالهم المادّية .

أفضى كلّ ذلك الرصد و التحليل و السرد إلى خاتمة أكّد فيها الكاتب تأصّل الوجود الحضاري لتونس في التّاريخ ووعي النخبة بواقعها و قضاياها واختلاف المواقف و البدائل بحسب اختلاف الظروف و الأحوال دون أن يفقدهم ذلك تشبّثهم بمبادئ كلّية ثابتة أهمّها الوطنيّة .   

ختاما يمكن أن نسجّل بعض الملاحظات :

رغم أن غاية الكاتب التي رسمها في مقدّمة كتابه " معالجة موضوع التفكير " إلاّ أنّ البحث في جزء منه نحا منحى سرديّا كان على حساب التحليل .

و لم يخصّص الكاتب فقرة للبحث في ما يثيره الاشتغال على الأفكار من قضايا و إشكاليات معقّدة منها مسألة مصادر التفكير وآليات انتاجه و مصطلحاته ...

ثمّ إنّ الكاتب لم يعمّق  البحث في صلة " الفكر التونسي " بالفكر العربي والعالميّ في هذه الفترة التاريخيّة . على خلاف ذلك ركّز على علاقة الفكر التونسي بالواقع التونسيّ خاصّة . بالاضافة إلى ذلك نجده  يستعمل  عبارة " تفكير تونسي " دون أن يناقش مدى وجاهة هذا المصطلح التاريخيّة و العلميّة . 

هذه الملاحظات لا تنقص من قيمة عمل الباحث الذي نعتقد أنّه قيّم وجدير بالاهتمام والقراءة .